مربكة جداً كل تلك البدايات التي لا تمت بواقع القول بصلة ، و مخيفة جداً تلك النهايات التي
لا ترتسم في آخرها عظاتنا ! حلمت ليلة البارحة به يداعب أناملي و يقبلها بشغف ، تلامس
اطرافي شفتيه ، و اغوص معه في لذة لم أعرف لها آخر ، أطبقت جفنّي تماماً فوجدت نفسي
كما أنا ، أنام منفردة في فراشي الوردي الدافئ و اتفقد يدي اليمنى و احتضن أصابعها و ابتسم
و أردد بصمت “كان هنا .. كان هنا” .
لم يبقى شيء في الذاكرة الا و عاد ليمر بي كأنعكاسات ألوان الطيف السبعة ، تمر بي و تغمرني
معاها بكل لون و بكل شعور و كل معنى ، حتماً لم تخلق الدنيا عبثاً ، فكل مافيها يأخذني معه
الى محطة ذاكرة جديدة ، أغمض عينّي مجدداً لأجدني في مرتفع جبلي عالٍ ، هو اقرب في علوه
أن يلامس السماء او انه يلامسها فعلاً ، اسمع من حولي خرير الماء ، فتسري في جسدي
قشعريرة تعيدني لإنتعاشة الصباحات الكسولة التي أملُها . كلنا نتلذذ بأوجاعنا فنشكي و
نبكي ، و نستشعر أفراحنا فنرقص و نغني . لم أشعر مسبقاً بأن الألم لذيذ و لا أن الخوف فطرة
رقيقة و لا أن المرض رحمة كبيرة ، كل المشاعر جاءت لتُهدى لنا و نتعلم منها نعمة “أن
تكون انساناً” .
تغرق في همك كحصى صغيرة سقطت في شلال جارف ، و تطير في فرجك كطائرة ورقية تحلق
بهمة في جو مشمس و سماء صافية . لا شيء يستحق أن نبكي من أجله إلا ان شعرنا بحاجتنا
لذلك! لا شيء سواها تلك الرغبة.
داهمتني هذه الليلة رغبة عميقة ان أداعب صفحات مدونتي القديمة فوجدتني اقرأ احدى سابقاتي
، فخفق قلبي لها كثيراً ، ليس لأنني من دوّنها ، و لكن لأنها اخذتني لحالي اليوم ، أنظر من حولي
لأجد جميع ماحولي من متغيرات طابق فعلها اسمها ، فتغير بي المكان ، الزمان ، الشخوص ، و
ربما حتى الإلهام. مضى بي امسي و اخذ من عمري ما أخذ و العجيب انني استسلم له و
اصطنع ابتسامة زائفة برضاي عما سلبني اياه! مدونتي لم تعد تلك الأولى ، و نهجي لم يعد يشبه
ما كان عليه ، أغمض عينّي من جديد و أردد ” تدور الدائرة .. تدور الدائرة” و أفتحمهما
بفزع و أهمس في داخلي “يالله! هل تراها تدور! ..”
استسلم من جديد و اترك له حرية مداعبة أناملي بين شفتيه ، و أبتسم و أهمس في اذنه ” هل
تعلم أني رأيتك قبل أن ألتقي بك! ” يتجاهل ماقلته و يتابع مداعبته التي أحب و هو يتنقل
مابين ابهامي و خنصري ، فأغمض أهدابي و اسمح لـ النوم أن يسرقني منه ، ليتسلل هو
لأحضاني و يلحق بي في عالم الأحلام.

