يدق جرس منبهي مشيراً الى الساعة السادسة صباحاً ، و بكسل شديد أقرأ اليوم و التاريخ ، فأقفز مسرعة أمام المرآة و انا اتمتم .. "اليوم الخميس.. اليوم الخميس" .. و اطلب أسماء بسرعة ..
- اسماااا قومي قومي ..
- الووووو ( تتثاوب)
- اسما اليوم الخميس الخميس .. يلا اصحي
- و خير يا طير و اذا الخميس .. ابي ارقد بكلمج بعدين
- اسما لا تقفلين اسما
- (توت .. توت)
ياااالله لماذا لا يشعر أحد بفرحتي .. أركض مسرعة لحجرة نسرين ، و أقفز على فراشها و انا أقبلها و أصرخ " نسرينااااااا.. اليوم الخميس يلا قومي قومي اكشخي و اجهزي " ، تبتسم لي نسرين بكسل و تعود لمخدتها . كفتاة صغيرة فرحة أمارس رقصات دورانيه حول نفسي في كل أرجاء حجرتها و أحمل ذلك الاطار الذهبي و احضنه و انا أرقص و أدور و أدور و أدور .
أعود لحجرتي و أحمل هاتفي لأعتذر عن الدوام اليوم ، لا وقت اضيعه لذهاب للعمل ، لأدع فارس يقوم بكل ما يجب علي القيام به من ملفات ، ليتحمل نتائج ايقاعي في شباكه . يضحك قلبي اليوم بهجته الغامرة فلا شيء يصف سعادتي سوى ابتسامته ، لا أعلم كيف تحول عالمي فجأة ليصبح عالم لا يحتويه شيء سوى انفعالات فارس ، لماذا لم تكن لأجدك في أول الطريق! لماذا تعثرت بطلال ..؟ آآآه يارب أتمم علي فرحتي اليوم يارب يارب يارب .. بادرت حينها الاتصال بوالدي لأذكره بموعد اليوم ، بدا صوته كسولاً و رتيباً .. طبعاً لم اسأله عن السبب فمقدار سعادتي يحجب عني اية افكار سلبية اخرى قد تحوم في مخيلتي كما افعل عادة ، حضرت وجبة الافطار لسعد و فهد و لحقت بهما نسرين و هي تحشر نفسها في احد مقاعد الكاونتر بجوار فهد ، كان كل شيء يبدو لي مختلفاً ، كل شيء من حولي كان اكثر جمالاً ، أنا نفسي لم أكن كما كنت أبدو كل يوم ، كنت أجمل ، كنت ناديا الحقيقية!
داهمني رنين هاتفي فأخذت ذلك الاتصال الوارد ، لم أتوقع المتصل ابداً ، و لكنه كان فعلاً هو.!!
- نــدو
- طـ .. هلا .. دقيقة شوي ..
( أبعد التليفون قليلاً عني و أنا أوجه خطابي لنسرين .. نسرين حبيبتي انا بصعد فوق ، بتجين وياي الصالون اجهزي ، اوكي؟) و ما أن ابتعد عنهم حتى أعود للإتصال :
- طلال!
- ناديا انا ..
- اظاهر بقى اشياء بخاطرك ما بعد قلتها يا استاذ
- ندو ارجوك .. لا تظلميني
- انت اللي ظلمتني يا طلال .. نسيت حلمي فيك .. نسيت انك الاكسجين اللي اعيش عليه .. نسيت كل آه صابتني و صرخت لك فيها .. نسيت اني كنت مستعدة اسوي كل شي و اي شي لعيونك .. طلال .. انا ماعدت اثق فيك .. هجرتني و اخر شي جرحتني !!! تعايرني بأهلي يا طلال !!! ليش لأنك احسن مني؟!! علمني وش ذنبي اذا امي و ابوي انفصلوا .. علمني وش ذنبي اذا امي ما بغت تمشي بالحرام و تزوجت رجال متزوج؟! علمني وش ذنبي اذا ابوي تزوج مره غير امي !!! (تبكي كثيراً) علمني يلا طلال لا تجلس ساكت…!!
- ناديا خليني اشوفك .. طلبتك خليني اشوفك ..
- طلال انساني ارجوك ..
- مستحيل يا ناديا انا لازم اشوفك
- (تستجمع انفاسها) اوكي اليوم بعد العصر .. عشر دقايق بس و بتكون وياي نسرين
خرجت مسرعة من حجرتي ، و انا اصرخ "نسرررررررررين" .. و تلحق بي و هي تلملم خصلات شعرها المبلل و نركب السيارة سوياً ، في الطريق اتصل بنازك لأذكرها و هي تهمس بأذني فرحاً .. "ندو ترى فستان خطوبتك شريته لك البارحة ، تراني حالفة ما تلبسين الا من ذوقي" انهيت مكالمتي و عيوني تملأها الدموع .. و اردد في نفسي "ياااالله على بالي محد متذكرني .. يارب تحفظ لي اهلي و اخواني و كل حبايبي".
في الصالون بدأت تتوارد علي المكالمات من جميع صديقاتي ، كان الجميع يشعر بحماسة شديدة ، الكل يريد معرفة كل الاحداث التي ستدور بيني و بين فارس في هذا اليوم ، و اخيراً تتصل اسماء
- هلا ندو …وااااي اليوم الخميس .. سوري نسيت كنت نايمة من قلب
- ماابي لا تكلميني يا سخيفة ..
- لا ندو عاد ابفرح وياج
- تسدين بوجهي الخط يوم خطبتي!! لالا ماني مكلمتك ابد
- ندو حبيبتي انتِ .. صالحيني .. قصدي بصالحج بسوي اللي تبين .. تعالي انا بالصالون ..
- لا انا بالداوم مقدر .. ابجيكم بالمسا ..
- اوكي ..
ساعات معدودة تفصل بيني و بين هذا اليوم المنتظر ، عقارب ساعتي تشير الى الرابعة عصراً ، خرجنا من الصالون بهيئة كلاسيكية راقية و حرصت على أن يعود شعري الى لونه الطبيعي، اتجهنا بعدها الى نفس المطعم الصغير الذي يطل على الكورنيش ، في نفس المكان الذي عرّاني فيه طلال بنظرته القاسية ، لم يكن في صوته ما يثير رغبات الماضي نحوه و لم يهزني انكساره هذه المرة ابدا ، ما أن بدأنا بإلتهام وجبات طعامنا و ثرثراتنا الصغيرة ، حتى أقبل هوّ ليتخللنا كخيط ضوء ساخط سقط من رحم الشمس الحارقة ،كان متجهماً و عابساً ، و لم أكن لأبالي بأي شئ فسعادتي منحتني القوة التي لم اعرفها معه ابداً ، جلس بسرعة بجوارنا على الطاولة ، و نسرين تنظر له بغرابة شديدة و استنكار ، و بدأ هو بسرد أقاصيصه و حكاياه غير آبه بها
- ناديا وش كل هذا ؟
- وش تبي طلال؟
- (تقاطعنا نسرين) انتِ تعرفين هذا ندو؟
- .. (يتنهد طويلاً و يصمت كثيراً)
- (تواصل نسرين) لو سمحت قوم عن طاولتنا ..
- (ينظر لها طلال و كأنه لتو لاحظ وجودها) و الله وكبرتي نسرين
- نسرين هذا طلال ، زميلي بشغلي القديم ، درى ان اليوم خطبتي و أصر يبارك لي ، دايم كنت اقوله عنك
- خطبتك! ( يقولها و علامات الاستغراب و المفاجأة تظهر عليه)
- مشكور طلال على الجيه.. كان ودنا نعزمك على الغدا ويانا .. بس مضطرين نمشي .. يلا نسرينا
غادرنا المكان بكبرياء ، كل ما كنت اريده في تلك اللحظة أن اعيد كرامتي المهدرة ، أن أحقق انتصاري أمام كل انهزاماتي ، أن اثبت أني قادرة على الصمود حتى بدونه ، أني امرأة صلبة لا تحتاج لظل رجل ليأويها ، و هنا توقفت قليلاً .. بدأت مداركي تتسع لتصل الى مخاوفي من أن اكون امي ، فهي امرأة لا تعيش الى في حماية رجل حتى و لو كان ظله! هل عشت سنوات عمري الماضية كلها لـ أحاول ان لا اكون هي..!! لكني حتماً كنت هي بطريقة او بأخرى ..
يُـتبع
Lady T


