
جو صافٍ و مشمس ، نسمة هواء باردة ، تهب برفق لتنعش أنفاس مستنشقيها ، هناك على ذلك الكرسي الخشبي تحت تلك الشجرة العملاقة، في تلك الحديقة التي امتلأت بضحكات الناس و ركضات الاطفال و لعبهم ، كانت تجلس دانة ، تحمل كتاباً تقرأه بكل حواسها و كأنها تجلس في دائرة معزولة عن كل الفوضى الجميلة التي ملأت تلك الساحة الخضراء . كان هوّ أيضاً هناك مصادفةً يدور في أرجاء تلك الخضرة بتملل يحمل كوب قهوته و يمارس الصمت الذي أرهق كاهله و يسرع خطواته و كأنه يحاول تحطيم حواجز صمته ، و ما أن رآها حتى انتهى السكون الذي يملأه و بدأت دقات قلبه المجمدة بالخفقان من جديد و بدأت خطواته بالتباطئ ، عاد له شريط الذكريات بصوتها ، ضحكاتها ، فـ ارتسمت على محياه ابتسامة نسى طعمها ، تلك الابتسامة الصادقة التي لم يعرفها الا معها.
وقف أمامها لحظات و هو يتأمل أيام سعادته فيها ، و ما أن لاحظت وقوف أحدهم أمامها حتى رفعت نظرها نحوه ، و دون أن تشعر وضعت كتابها جانباً و قالت بلهفه مستغربة ” نادر! “. استمرت النظارات بينهما لوهلة و كأنهما يتفقدان ملامح الوله على وجوه بعضهما، حتى جلس بجوارها و هو يعانقها بنظراته الدافئة و بنبرة رقيقة هادئة همس لها “اشتقت لك” ما أن قالها حتى هربت دانه بعينيها الى الناحية الأخرى متجاهلة ما سمعت. و بحسرة مدفونة بين طيات صدره تابع كلامه ” تدرين يا دانة اني ماحبيت و لا راح أحب بنت من بعدك .. ليش تقسين علي”. إلتفت دانه و ردت بغضب ” تذكّر شي واحد يا نادر !! إنك انت اللي اخترت مب أنا” و ما أن أنهت جملتها حتى خرجت تلك الدمعة الحبيسة من محاجر عينيها، مدت يدها و أخذت كتابها الذي نسيت أمره بمجرد رؤيتها له و بدأت خطواتها الحانقة بعيداً عنه ، و ظل هوّ جالساً بإبتسامة لوثها الحاضر الذي اختاره نادر لكليهما.
بعد قصة حب عميقة نشأت في أحد المقاعد الدراسية ، قرر نادر أن يوافق رغبة عائلته و يرتبط بإبنة عمه “نُهى” ، لم يكن يعرف نادر عنها إلا أنه لابد و أن يرتبط بها ، يجهل كيف تبدو ، فكل ما تحمله ذاكرته لها ملامح الطفولة المشوشه ، لم يفكر أبداً بأنه قد يفقد دانة بمجرد ارتباطه بـ نُهى ، بأن حبه لها قد يختنق بين خلياته ، بأنه سيظلم نُهى ، بأنه سيذبح قلب دانة !! لم يفكر حينها سوى بما يتوجب عليه فعله ، و بعدها جاءت كل العواقب لتحل كـ لعنات متلاحقة على قلبه و حياته.
لـيدي تـي
