.. .. .. .. .. أحـلام و السوشـال ميديـا

 

 

 

حلم جميل يمر بالذاكرة إلا أنه يجد مكانه في القلب فيترسخ ويتشعب لتكبر جذوره وتتفرع. بذرة صغيرة تجد تصنيفها بين اللوائح بأنها بلا قيمة تُذكر لكنها ما أن تجد التربة الصالحة والرواية الكافية فإنها تنمو وتورق.. وما أن يشتد عودها البض حتى تثمر غصونها أشهى الثمرات وأطيبها. في الحياة كُلنا بذور لا قيمة لها، أو إنّ قيمتها الحقيقية تكمن في نتاجها وجودتها. فالمزارع عادةً ما يُلقي بها في باطن الأرض دون اكتراث للكم، ولكنه بلا شك يكون طامحاً وطامعاً في الثمر! وهكذا نحن البشر لا نُلقي بالاً لأصغر التفاصيل فنبذل قصارى جهدنا للنظر إلى حصيلة الحصاد النهائية، دون أن نتفكر بأن البذرة لتكون صالحة ونافعة لابد وأن تجد التهيئة المناسبة، فالرعاية والاهتمام جانبان غاية في الأهمية للحصول على أشهى الثمار وأعلاها جودة. لكن يظل السؤال الأهم: هل كانت هذة الثمرة نافعة كفاية لتصل إلى موقعها الحالي؟! إن كانت تبدو نافعة فعلاً فقد يختبئ العطب في لُب الثمرة..!

الحظ لعبة ذكية يتباهى بها الأغبياء للاختباء وراء حماقاتهم، ولكن في زمن عصري وثوري كالذي نعيش فيه ألا يخاف هؤلاء القوم أن تُكشف ألاعيبهم! بالطبع لا.. فمحدودية تفكيرهم تقودهم إلى تكوين جماهير غفيرة، يقومون بحقنهم بمصل مضاد لكل الأخطاء التي يقومون بها ليوجهوا أنظارهم الفارغة لنقيض أعمالهم، ليُلهونهم ويبعدونهم إلى الضفة الأخرى بعيداً عن مشينات الأفعال، فيما يسرحون ويمرحون ويترنحون بنشوة تحقيق أهدافهم الشخصية الرخيصة. وينسون أو يتناسون بأن هناك عيوناً ترقبهم، وعقولاً تستطيع قراءة ما يخفيه أولئك المتاذكين تحت ذيل “برستيج” أفكارهم التي تخلوا منهم، لأنهم بكل بساطة يجيدون السطو والسرقة، أو… عفواً استشفاف نظريات من خلال ما يُقرأ –إن كانوا يجيدون فعل القراءة- مما كُتب بألسن متعددة اللهجات واللغات.

إيماناً مني بأن كل الطرق تؤدي إلى روما، أخذت أتابع قراءاتي المتواضعة، وتابعت أيضاً سكب أكواب قهوتي ومتابعة كل نقد ساخر وهدام، لأني بدأت أجد في السواد نوافذ بيضاء لم ألحظ وجودها قبلاً. هل تلك هي الإيجابية التي ينادي بها أصحاب “السوشال ميديا” أو أصحاب الضوء كما يطلق بعضهم على أنفسهم! وهل كانوا فعلاً يوماً أصحاباً لأي ضوء أو مبدأ..! ربما كانت كمية الإعلانات والحفلات مقياساً لهذا، ولكني في الوقت ذاته أجهل كيف يُحارب النجم الصاعد نجماً كبيراً وبارزاً سبقه في المجال، ولو بدا متخبطاً وضعيفاً، وكيف يحاول من سبقه لكمه وتكميم فرص نجاح الحابي الصغير نحو سُلم نجومية “زائفة”.. هل هذة حرب النجوم يا تُرى!.. الغريب أننا دوماً ما ننسى بأن البناء لا يبدأ من القمة، ولكنه يبدأ من الصفر وما دونه، ليكون بناءً راسخاً وشامخاً في يوم من الأيام، إلا أن طابع الأنانية يغلب في كل مرة ليكون أنا ومن بعدي الطوفان، هو الشعار الأمثل لهذه الأوساط التي كل ما تحتاجه هو نظرة صادقة ولمسة حانية وكلمة عقلانية. في النهاية يظل الحُلم حُلماً جميلاً نواصل العيش من أجله، إلى أن يتم تحقيقه ليكون واقعاً مثيراً محسوساً وملموساً وإنجازاً يُفتخر به.

عقل و قلب و عام يُطل

 

 

 

عجيبة هيَّ الحياة! تصطحبك في رحلات متواصلة دون كلل أو ملل، فمرة تحملك إلى قمم السعادة والراحة و تارة تحط بك في أودية من العراقل والمشكلات والصعاب، ومرة آخرى تبسطك على هضاب شاسعة من السكينة والتفاؤل وربما مراحل من المشاعر المختلطة و التخبط.

عام جديد يُطل علينا، يفتح لنا أبواباً جديدة لفرص من التسامح والنقاء، إلا أننا كما يحدث بالعادة نأبى أن نصرف شرور أنفسنا في نهاية كل عام لنبدأ أعواماً جديدة، أكثر طُهراً وأكثر تصالحاً مع ذواتنا. تبدأ قصة كل منا في حالة نعيشها، كحالة الحب! عندما نقع في الحب فنحن حتماً نقع في فخوخه اللذيذة، تتبدل الصفات المُشينة في نظرة العاشق نحو محبه فتتحول إلى سمات فريدة، قد يُصنفها المُحب أحياناً بأنها ميزات لا تتكرر! لكن ما نغفل عنه في كل مرة بأن القلوب شواهد، وأن القلب الصادق يستشعر صدق الشعور بل ويدل صاحبه في مرات كثيرة ليكون الحدس صائباً. فهل أننا في هذا العام الجديد بصدد الحديث عن الحب؟! ليس فعلاً! فأنا لا أحاول إثبات شعور القلب أو نفيه لكني أوجه الضوء إلى خانة الموازنة ما بين العقل والقلب. فالقلب لا يمكنه إنصاف من يحبهم لأن العاطفة تغلبه فيعود به خائباً إلى نقطة البداية، ولكن العقل فإنه يُرجح كافة المعطيات والحقائق الملموسة ليحولها إلى تفاصيل يُحكم فيها كفات ميزانه بين الصحة والخطأ، فيكون القرار مبنياً على سلسلة من الخيارات التي تم استنتاجها من أرض الواقع الصلب، وهنا قد تكون الإجابة قاسية أو جارحة لذا كانت الموازنة مطلوبة. فمن الحكمة بأن تُحكم عقلك ومن الطيبة أن تستدل بقلبك فتفعل ما يمليه عليك ضميرك! هل قلت ضمير! عندما أعود لمجريات ما يحدث من انفتاح معلوماتي هائل نواجه حروبه ولنقل “منافعه” في هذة الفترة الزمنية العصيبة، فإني اتجه بلا شك الى منصة شبكات التواصل الإجتماعي، لما تنشره من فراغات وتراهات ليتحول ليكون فُقعات رائعة الجمال تُبهرنا بألوان الطيف التي تتقلب في مهيتها الصابونية التي تطير بخفة في الهواء عالياً وهي تدور في الفضاء بشكلها الأنيق التام الإستدارة، لتتلاشى بعد ثوانٍ معدودة أثر اصطدامها بأي ما كان من المحيط، فننسى أصلا بأنها كانت هنا قبل ثواني قليلة لتُبهجنا وترسم على مُحينا مجموعة إبتسامات وإنبهارات لحظية. السؤال هُنا ما علاقة فقعات الصابون ب”السوشال ميديا” ربما يكون لمعانها!

علمني جدي رحمة الله عليه بأن ليس كل ما يلمع ذهباً! ولسبب ما كنت أُكرر هذا المثل كثيراً في الصغر دون فهم أو وعي حقيقي لمعناه لكني اليوم خضت في الحياة تجارب وصراعات كثيرة طويلة ومديدة، فإتسعت مداركي وكبُر فهمي وأخذت أرى الأمور بحيادية وببساطة، لأن الحياة قصيرة جداً ولأني اُؤمن بأن الله وحده القادر على تحقيق العدالة على هذة الأرض، فهو سبحانه يُمهل ولا يُهمل. فاحذر يا صديقي غدر الزمان بك لأن دواليب الزمن لا تقف في نقطة واحدة.. فهي تدور وتدور لتعود بك إلى حيث كان ماكان ليكون! احسن إلى نفسك ليُحسن الناس إليك، واحسن لربك لتجد الإحسان لديه.

عام ميلادي سعيد أتمناه لكم.. أهلا 2017 .

 

تهاني الهاشمي

@TahanyAlhashemi

 

.. .. .. .. .. .. .. .. .. Cup كتاب

 

صرعات الموضة باتت تكتسح جميع واجهات العرض التسويقية والإعلامية، فلم تقتصر كما هو متعارف عليه سابقاً في جانب الأزياء والملابس والمجوهرات والإكسسورات بل شملت في مسماها كل ما قد تقع عليه العين من تكنولوجيا منزلية، مكتبية أو أدوات مطبخية وما يندرج تحتها من مطاعم أو مأكولات، وسيارات وشركات طيران وعقارات، لتصل في طريقها إلى الساحة الثقافية والأدبية، وعليها بدأت الساحة الأدبية بالاكتظاظ بالأقلام التي تحمل في طيات محابرها محاولات كتابية امتدت في صفحات لتتبناها دور النشر لتكون «كتاب».

لم أذكر شغفاً مناسباً بما يدور في الساحة الأدبية اليوم كما كان شغلنا الشاغل خبز الكب كيك والتفنن في تشكيل الكريمة الظاهرة على وجهه، فانتشرت الصور التي تحمل أصنافاً وألواناً شهية ولذيذة لذات الطبق، كما انتشرت المحال التجارية لتتبارى بدورها في صنع حبات الكب كيك التي وصل سعرها المفرد إلى ما يفوق الـ20 درهماً، بالرغم من كثرة العرض إلا أن الطلب لم يقل ولم يتأنَّ الناس عن التدافع لشرائها وتناولها وطلبها لمناسباتهم الشخصية والرسمية، دون الاهتمام لشيء إلا لألوانها اللافتة وأشكالها الاحترافية، مهملين مذاقها ونكهتها، وهكذا هو الحال اليوم في ظاهرة الكب كتاب، أصبح الجميع ذوي موهبة لامعة في كتابة الكتب، بغض النظر عما قد تحمله من فكرة أو مضمون إلا أننا في كل أسبوع ما نلبث أن نسمع خبر «نُشر كتاب جديد للكاتب الجديد فلان بن علان»- اللهم لا حسد، بالرغم من أنها ظاهرة جميلة كفكرة، لكنها ضعيفة وركيكة جداً في محتواها، لأن ثقافة حديثة كهذة لم تفتأ تحث الجيل الجديد على القراءة لتحسين نوعية كتاباتهم أو تطويرها، فقد اعتمدوا على الرؤى الإخراجية، خلال مشاهدة الأفلام الغربية، أو على مشاعرهم وتجاربهم الشخصية دون النظر في محاولات لأدباء سابقين.

لا أعلم منذ متى أصبح فن كتابة الرواية فناً دارجاً وشائعاً وسهلاً، فانتشار نوعية الكتب الصغيرة في الحجم والفكرة يكاد يطغى على المفهوم الذي تُنشر باسمه، متناسين جداً أننا في زمن السرعة وأن أوراقاً كهذه سريعة الاشتعال في الظهور والشهرة وفي الانطفاءة التي تهوي كنيزك لتقتل الريشة والمحبرة.
لسنا مجبرين على أن نزين صفحات مواقع تواصلنا الاجتماعي بصور لا تعني لنا شيئاً، فليست الثقافة في تصوير الكتب ذات الأغلفة الجذابة ولا العناوين الرنانة، بل بقراءة محتواها والاستفادة مما يود الكاتب الفذ الوصول إليه من محتوى كتاب، بغض النظر إنْ حمل مسمى رواية أو نصوص أدبية.
كم منّا حاول كتابة كب كيك؟ أكيد أننا جميعاً مررنا بمرحلة مماثلة.

 

تم نشره في مجلة روتانا –

الخميس 31 كانون الثاني(يناير) 2014

للإطلاع على المقال من موقع المجلة مباشرة: