رواية ولاكلمة -اصفر

تأنـق وَ حـب ..

 

 

 

 

هي تضحك وتتأنق.. بعض الشفاه تتغامز وتلمز من حولها: “هي سعيدة لاشئ يُكدر صفوها”، هي تستفرد بذاتها في نهاية كل يوم، تنظر لجمالها الذي تُدرك حقيقة زواله مع تقدم عُمرها، تُحصي المتاعب التي مرت بها وتلك المُشكلات التي مازالت تُصارعها، وتبقى على سجادتها تدعو أن تُزاح عنها الغمة، تغمر وجهها بكريمات العناية المسائية، فيما تظل تلك الأفواه تُراقب وتتحدث عن موديل سيارتها ولون حقيبة يدها، وعن آخر صورة قامت برفعها على الانستغرام، تُتمتم تلك: “اُف! هيّ بلا هموم! لاتتقدم في السن أبداً”.

والكثير من هذة القصص المُشابهة، التي تشبهها في الشكل ولكنها أخبث وأكثر حقداً وضغينة في المعنى.. لماذا تهوى مُجتمعاتنا تقدير الأمور بطريقة سطحية..؟ لماذا نهتم كثيراً في إلقاء الأحكام على الآخرين ومن ثم تقييدهم بها، وأسرهم بما نظن حد الموت والدمار! .. هل هذة إشاراتهم التي يبعثونها للعالم لعدم الرضا أو لعدم القناعة أو أنه دليل على قلة الإيمان بالله سبحانه وتعالى!

يُسدل رب العباد عليهم من ستره باللباس الثقيل الساتر الذي لايشف ولايصف، ولكننا بجهلنا وغباءنا دائماً ما نميل لكشف الأستار وهتك الأعراض، يظل السؤال الأهم لديّ اليوم هو (لماذا؟)، من جماليات الحياة بأننا بالرغم من كل الصعوبات والعقبات التي تمر بنا فإننا خُلقنا بالقوة الكافية للخروج من منازلنا مع الأناقة الفطرية برسم إبتسامة جميلة نؤجر ونُثاب على بثها لمن حولنا، فما أعظم خالقنا وما أعظم رسالته لنا، لكننا دوماً نتجاهل الجمال ونلتزم بإظهار القُبح. هيّ تتجمل لأنها تؤمن بأن الله قادر على إزاحة أثقالها ودفعها بعيداً، وهم يُثرثرون لأنهم لا يُدركون بأنهم يحملون عنها ما تتخفف منه، فلو أدركوا هل كانوا ليفتحوا أفواههم الجافة كما هم دوماً يفعلون.؟!

أترك لكم مساحتكم للتأمل والتفكير وكل عام وانتم ومن تحبون في حالة حُب وهيام تدوم وتدوم.

 

 

كل الحب،

تهــاني الهــاشمي

رواية ولاكلمة -اصفر

ادفع كسلك

 

 

مالذي يدفعنا للإستمرار! دائماً ما تردد هذا السؤال في ذهني وفي أذهان الكثير منكم.. لماذا نستمر في كل الأحوال في وظائفنا وأشغالنا، في علاقاتنا ومشاعرنا، في أفكارنا ومعتقداتنا، في حياتنا ويومياتنا.؟؟!

من جماليات الحياة بأنها دائرة تتكرر في كل مرة بلون وطعم ورائحة ومذاق متجدد ومختلف، فكما تخلع الموضة رداءها في كل موسم وكل عام، تفعل الحياة  ما تفعله الموضة أيضاً حتى تدور الدائرة وتعيد نفسها بطريقة وشكل مختلفين، لكنها في كل الأحوال تدور كالساقية لتمضي بنا الأيام وتمر الأعوام بحلوها ومرها وشقاءها ونعيمها، لكن يحدث أن نُجهد ونتعب لنقف في نقطة ما  متسائلين: لماذا نستمر فيما نحن فيه!

أحد عوامل الركود والرجوع يقبع خلفه شبح اسود صغير يقفز في وجهك في كل مرة تحاول فيها الإنطلاق للتجديد والتغيير، ماذا لو لم تفلح! ماذا لو فشلت!.. والإجابة الحقيقية بأن الفشل ليس عدو بل هو صديق لأنه يأخذك في نهاية المطاف لتتعلم من أخطائك ولتُصحح مسارك لتصل إلى النجاح. السعي الدؤوب والعمل الجاد لابد أن يتوجان صاحبهما بعلامات الفخر والمكانة، فالإنجاز عاملٌ ثمين لا تطاله الأيادي الكسولة والأفواه المشغولة بالحديث عن عثرات الآخرين. الإستمرار في الإنجاز هو علامة نجاح لا يُستهان بها، بل يُشاد بها ويُفخر بها، هو دليل قاطع على الإيمان، فالإيمان هو العقيدة التي نتزود من ذخيرتها، لنحيا ونعيش، ولنفرح ونُحب، ولنحزن وننكسر، ولننجح ونفشل، ولنفوز ونخسر ولننجز أو نُسوّف.

رسخوا عقيدتكم بكم أولاً واجعلوا إيمانكم يَدُلكم إلى وجهاتكم، اعقدوا النوايا واحسنوها، واعملوا بصدقٍ وجد واخلصوا بواطنكم وظواهركم لوجه كريم وستكون دوائر الإستمرار الناجح حليفكم الدائم.

 

كل عام وانتم جميعاً بألف خير.

تهاني الهاشمي

@tahanyalhashemi

رواية ولاكلمة -اصفر

كيف تكون إنسان!

تصلني الكثير من الرسائل بخصوص الكتابة وكيفيتها، وفي كل مرة اقرأ سؤالاً من هذا النوع أرتبك وارتعد، هل الكتابة بحاجة فعلاً للتلقين! هل هي ما تعلمناه في حصص القراءة والكتابة والتعبير والنحو! هل الكتابة مهارة أم انها ممارسة…؟!

حلمتُ في عُمرٍ مُبكر أن يكون لي كتاب، يحمل اسمي وبعضاً مني ومن خربشاتي، خضت في حُلمي رحلات عديدة وحروب طويلة، انتصرتُ خلالها على نفسي وصار حلمي الجميل حقيقة أكثر إبهاراً. أن تبدأ في الكتابة هو التحدي الحقيقي وأن تستمر فيها فهذة شجاعة، لأن تخوض تحدي من نوع آخر، وأن تستكمل العمل حتى النهاية، هو إنجاز يُشار إليه بالبنان، ولبلوغ مرحلة كهذة عليك بالوقوف من جديد للولوج في مرحلة النشر، بعدها تجد نفسك منهكاً ومُجهداً من سلاسل الكفاحات والعمل المستمر، لتجد نفسك على متن قاربك الصغير تُبحر في عرض البحر الواسع، تشعر بضآلة حجمك في خضم هذا الإبحار الرحيب، أنتَ مجرد نقطة صغيرة يحملها الماء على ظهره، موجة كبيرة قد ترفعك عالياً واُخرى غادره قد تسحبك للقاع، نسمة هواء خفيفة قد تدفعك قُدماً وريح غاضبة قد تمسح وجودك تماماً!

فهمتُ اليوم بعد أعوام قليلة من الخبرة والممارسة بأن السند الوحيد لك لحُلم الكتابة، هو الكتابة ذاتها، الورق والحبر هو كل ما يملكه الكاتب. الكتابة هي المتعة في الإبحار بين الأفكار والحروف، هي تُعلمك شد حبال الشراع لتواجه الرياح القاسية، تُعلمك بناء متن قاربك الصغير بأصابع مُحترفة لتتمكن من النجاة من الهلاك ومواجهة المخاطر، الكتابة تهذيب قبل أن تكون كتاباً يحمل اسمك ورسمك، هي عالم لا نهاية له من السحر والإبداع والخيالات والأحلام المتواصلة، هي سلسلة من الآم والأوجاع التي تنسحب من خلياتك الناعسة لتبدأ نبضها ودمعها على الصفحات الخالية، هي رتمٌ حزين يخلع نعليه عند بابك لتكتبه، هي نغمة فرح تطرق نافذتك لتُغني لك اقرأني أو اكتبني في كل مرة. هي حواسك الخمس تتراقص أمامك، تقف على سهم القِبلة ترفع يديها عالياً وتصرخ فيك “الله أكبر”، هي روح تتلبسك ومتى فعلت ذلك فإنه يصعب عليك خلع رداءها، هي خلود لحيواتٍ كثيرة تُحارب من خلالك نظرية الفناء وتحولها إلى وجود لانهائي.

أن تكتب يعني أن تعيش، أن ترى، أن تتنفس، أن تسمع، أن تشعر، أن تتذوق، فكيف لي أن اشرح لك كيف أن تكون إنساناً.. أو أن احكي لك عن علم الحياة!

رواية ولاكلمة -اصفر

إنها قديسة!

 

 

المثالية! كلمة مُضحكة لأن معناها بات مُختبئاً وراء وجوه عدة، الدناءة ترتدي ثوب الطهارة وتخرج معك في نُزهة طويلة، تُقنعك بأنها لم تُدنس يوماً، ولم تكن شيئاً سوا ثوباً أبيضاً نقياً لم تلوثه مُخلفات الحياة ولا النوايا السيئة. العُهر يتلون في وشاح العفة بعد أن تلوى في مياة النجاسة التي أدمن وجوده في مجاريرها، لم يعي شيئاً إلا تلك الرذيلة، لذا فهو ضحية مُجتمعية لابد لنا من تقبلها وتفهمها في حال كُشفت ورُصدت في وضع مُخل، عدا ذلك فأنها سترمي الجميع بتُهمتها التي تخشى الإفصاح عنها! النفاق نفقٌ مظلم طويل لا نهاية له، يبدأ في مجاملة صغيرة فيجد نتاجها كبيراً، فتحمله خطاه للمضي قُدماً لجني المزيد، تتورط مصالحه مع الأشخاص الخطأ ويستأثر أن لا تزل قدمه –لاسمح الله- للطريق الصحيح فيُتابع لغطه ونفاقه تحت مُسمى لامع اسمه “ود إجتماعي”. عينات كثيرة نصطدم بها وأيّ إصطدام، قد يودي بحياتك في بعض المرات، لكنك في كل مرة تُعلق بأنك ستكون أذكى وأوعى، لكن كما تستطيع البكتيريا والفيروسات أن تطور نظامها للتتكيف مع كل كم المضادات التي تم اختراعها فتتفوق عليها، كانت كذلك نوعية البشر تواصل تطورها نحو العالم السُفلي، تتمرد على المصداقية والأمانة والنزاهة والطريق المستقيم، لتخلق لنفسها عالماً متزامناً مع حالة السرعة والتكنولوجيا التي نعيشها. حالة من التجرد واللإنسانية، حالة شيطانية تتلبس معظم البشريين للحصول على المادة، تُطحن الأخلاقيات تحت قطار الرغبات، سُرعته تفوق الوقت والزمان، يقتلع في طريقة جميع القيم الجميلة، وكل تلك الشخوص الأنيقة التي بتنا نحلم بوجودها في حياتنا ولو لحقبة زمنية قصيرة، نسترجع منها ذكرى راقية نتصبر بها على غدر الإنسانية التي تلبست قناع المثالية والقداسة! تباً لكم و تباً لمجتمع بنته نواياكم الخبيثة التي لن تصلوا بها إلا للدرك الأسفل!! آخ لجانب القداسة فيَّ.

دمتم بعز،

تهاني الهاشمي

 

رواية ولاكلمة -اصفر

اسمع قلبي!

 

 

عجيب كيف تتغير القلوب! أن نحب في يوم ونكره في وقت لاحق، أو ان نكره ثم نتمسك بما نكرهه لحد أن تؤلمنا فكرة الفراق، كيف لفكرة عابرة أن توقع بنا من أعلى درجات الوله إلى سافل أراضي البُعد، النهايات هي ليست دليلاً على الموت والإنتهاء، لكنها بلا شك دليل قاطع على رحلة الإنتقال من حقل إلى آخر، لا نموت ولا ننتهي ولا نتبخر بالوداع، قد ننكسر أو نتشتت أو ننحني وننثني أمام وحش الفراق وأوجاعه، لكننا بكل تأكيد نهزم مخاوفنا بمواجهتها ونمضي في ربوع الحياة لنخوض تجربة جديدة وسبيلاً مُختلفاً يقودنا إلى مفاجآت تسرنا واُخرى تضرنا. الحياة ليست ربيعاً دائماً وإن كانت فلابد أن نصل معها إلى حدود الملل ويغتالنا شبح معاناة إكتشاف ما وراء أسواره، لذا فإننا نعيش الصعود والهبوط، نتذوق المُر قبل الحلو، نضحك ونبكي، نتمتع بالجمال بعد أن نلتمس القُبح، نصمد وننهزم، نحارب بشراسة لنحيا السلام يوماً. الحياة معبر قصير لكنه مثير بما يحمله لنا من مستجدات ومغامرات، بعضها يُشبهنا وغيرها يصقل طاقاتنا ومواهبنا، نتحول بين جيل وجيل إلى ملامحَ جديدة، نستقبل الإشارات الكونية، تأخذنا خطانا إلى حيث كانت دعاءاتنا الطويلة التي نلتحف بها عرض السماء في جوف الليل، نتدثر بإيمانات متزعزعة بين اليقين والشك، غروسنا نوثق حبالها بالأمل وليس يحمل لنا نور الأمل سواه!

الحب .. وآه يا حب! وآه للزمن الذي يقتص من أعمارنا وأحلامنا ويبيعها في فضاء سابح لايُعير مشاعرنا أيَّ بال! الوقت العدو اللدود لنبضات القلب، فإن تأخر يكون القطار قد فات، وإن جاء مُبكراً فلا يقع في بحور الهوى إلا بعد أن يفقد كل ما ملك! وإن جاء في التوقيت الصحيح تصاحب مع العُشاق كخلٍ وفي، يتناغم معهما في رقصات ناعمة تحت هطول حبات المطر، حيث يعزف القدر لهما أجمل اللحون وأصعبها فإن صدقا كانت القصة كالجميلة التي وقعت في حُب الأمير، وإن اختل ميزان الوفاء بينهما انهزمت جيوش الود وتدحدرت إلى حيث النهاية التي يبدأن منها دروباً اُخرى لا تُشبه أيّاً منهما.

عام هجري سعيد 1439.

رواية ولاكلمة -اصفر

أنا نجمة :)

 

أجلس وحيدة خلف شاشة اللابتوب، اُحدثُ نفسي بأن عليها الكتابة، أحاول تحفيز أفكاري، مممم لاشيء يُلهمني هنا، أعود بالوقت للخلف، ليس كثيراً قبل ساعتين مضت، تُخبرني شقيقتي بأني أسيرُ على الطريق الصحيح، تهمس في اُذني والدتي بأني نجمة ساطعة يهاب الظلام حضورها، وفي ظل الحضور النسوي الذي أعشق وجوده في حياتي أرتجي زوال الغمام الذي يحجب رؤيتي! أجد بأنني طفلة عابثة مازالت تجهل طريق العودة لمنزل العائلة، أضحك دون إكتراث إذا دغدغت شعوري بعض كلماتي الحالمة، أبكي بحُرقة لوجع مشهدٍ سينمائي، وأسرح طويلاً في علاقة تشابكت خيوطها حتى أصبحت عُقدها أكبر مافيها، لكني مازلت أتناول قهوتي كل صباح بإبتسامة، اُخفي وراءها حمداً غزيراً، لأني رغم كثرة المعارك النفسية التي واجهتها مازلت تلك الطفلة العنيدة التي تُخلص لألعابها المحشوة بالفرو والقطن، النضوج لم يُغير فيني الكثير، إلا أنه صقل فيني الزوايا الجارحة لتصير حدوداً مستديرة، لم يكن العمر سبباً بل هي الأزمات التي هاجمتني بشراسة منذ زمنٍ بعيد، كنتُ أرتدي مريول المدرسة وكعادتي اُشاغب في الصف، وأخربش بالطبشور على اللوح الأسود، وألتفت يمنةً ويُسرى لأرفع صوتي واُغني، لم أكترث يوماً لشئ، لم أكن ظلاً أبداً، و لم تكسرني صرخات المُشرفات أو حتى مُديرة المدرسة، أعيش في عالمي وأحلم بيوم يشبه النسخةَ المُحسنة ليومي هذا، لم اُخلق صغيرة! خرجت من رحم اُمي بعد عناء، ببشرة مميزة وإبتسامة عريضة، أبتسم دوماً برغم تعبي، فهل كان الإبتسام يوماً دليلاً على مجابهة العناء! أجد الطريق أمامي صعباً وشائكاً لكني أسير عليه وأنا ارفع رأسي نحو السماء، إلى السماء حيثُ أنتمي.. هكذا أخبرتني أمي بأني نجمة ولهذا لا تأخذني خطاي إلا نحوها ونحو الدعاء.

كل عام وانتم بخير وتقبل الله منا ومنكم طاعاتكم وصالح أعمالكم .. حج مبرور وذنب مغفور لمن كتبَ الله له حجه هذا العام.

عيدكم مبارك !

تهانـي الهاشمـي

@TahanyAlhashemi

رواية ولاكلمة -اصفر

قلب وعقل وأرجوحة سلام

 

 

فكرت كثيراً قبل أن أكتب حروفي اليوم.. هل أكتب ما اُفكر به..! هل املأ صفحاتي بما بإنسكابات الشعور والقلق وصراعاته؟ أم ابوح بما أراه وأسمعه وأتنفسه وأعيشه! إنتفاضة كبيرة شعرتُ بها تقام في داخلي، فمرة تهجم جنود القلب على عروش الفكر و مرة يتصالح الطرفان فيتابعان طفوهما على برك الحياة العابرة. ولما حكم العقل وأمسك بزمام الأمور راحت عواطفي المختلطة في عركة طويلة مع رواسخ فكري فجف حبر قلمي وأعلن إستسلامه، وخضعت أخيراً لعقلي وسمحتُ له لأن يقود شعوري التائه ويصطحبها في دروب السلامة.
الكلمات تتطاير بل تتبخر حد التلاشي في حالة مُجهدة كهذة، لكني بالرغم من كل شئ قررتُ أن اتجرأ وأكتب. أكتب من أجل الصدق الذي فقدته بعد أن أختبأ وتوارى وراء ملامح التزييف والإدعاء، أكتب لأجل الأمانة التي تحولت لمعايير صدئة قديمة لا تتناسب مع الموضة والتكنولوجيا، أكتب لكل معنى بسيط وعميق و كل مظهر عفوي غير مبالغ غادرنا دون إلتفاتة لما خلف وراءه من فراغ موحش ودامي.. أكتب لعل شيئاً مما كان أن يعود، أكتب للماضي الذي لم يعد مضارعاً ولا حاضراً ولا حتى جزءاً من الذاكرة، أكتب للمُثل العالية التي هربت من نوافذ بيوتنا وأبوابها، للأخلاقيات التي تم تصنيعها بجدارة في التايوان والصين وقمنا بتداولها متظاهرين بالحضارة ومواكبة التطور، أكتب لأنني أحتاج بعضاً من الهواء النقي في عرض سماء إختنقت بالشجارات في كل زاوية.. في تلك الزاوية غدر الأخ بأخيه، و في ذاك الركن أفشى ابن العم بسر ابن عمه، وحول قارعة الطريق خلعت تلك الهيفاء الخجولة عباءة أمها وراحت تركض نحو سراب واحة لا وجود لها! تعتليني الآن إبتسامة عريضة، وكأن عقلي شعر بالنصر، اممم هل قلت بأنه شَعَرَ! عفواً .. يبدو أني لم أنجح في ترويض جماح شعوري، يبدو أني كتبت كفايتي لليوم.. فهل اكتفيتم..؟!

رواية ولاكلمة -اصفر

إخوان شمّـة

 

 

جميل جداً أن تستجمع أصابع يدك الواحدة لتكون كفك متناغمة ومتماسكة، قبضة حديدية تُوجهها كلكمة صارمة وربما قاتلة في وجه الأعادي والأعداء، مؤلم جداً أن يُصاب أحد أصابعك -وليكن الخنصر- بجرح ولو حتى خُدشٍ لا يكاد يُرى ويتحول ألمك الحقير إلى نزفٍ عظيم، مصابٌ جلل قد يصل بك إلى مرحلة البتر، فينتقص جزءاً ولو بدا صغيراً لبقية قبضتك التي تبدو لك كاملة وكبيرة. الكمال هو عنصرٌ هام في حيواتنا، نبحث عنه على مدار الحياة دون كلل أو ملل، بدءاً من الطفولة نتعلم بأن القمة هي جزء من النجاح الذي لابد أن نصبو إليه، فكلما إختلفنا في إبراز قدراتنا قد نبدو للسابقين بأننا ظللنا الطريق، قد يصمنا البعض بعار الفشل، لكن الحقيقة هي أن إختلافنا قد يصنع منّا “أسطورة” تُخلد ذاتها عبر التاريخ، فمن كان لأحد أن يُصدق أن يتنامى العمران على أراضي الإمارات ليضم أطول الناطحات على مستوى العالم، أن تتحول أكوام الرمال لتكون واحات من النخيل تُزاحمها واحات الفكر والثقافة، بينما يغمرها النشاط الإقتصادي المتنامي من خلال صندوق النقد العربي، في ظل وجود الثروة النفطية التي بدأت تُعانقها الطاقة المُستدامة. التطور والتكنولوجيا ليسا التوجه الوحيد لهذا الكيان الذي بدأ بسيطاً وسلساً ليكون إتحاداً وثيقاً يضم تحت لوائه العريق وطناً شامخاً في عليائه متماسكاً في لحائه، ثروات بشرية من القيادات التي نفخر بها ونقدم لها الحب والولاء والطاعة، وثروات اخرى حيوانية تتسابق للوصول للمركز الأول في سباقات الهجن والخيل، ومحميات طبيعية تزخر بها البلاد وتزدان والمزيد مما يضُف للقائمة التي يُشار إليها بالبنان من كل حدب وصوب على متسع الكرة الأرضية.

عطب عضو ما قد يُلهب البدن ويُرهقه لكن الكي علاجٌ مارسه أطباء الطب البديل في بلادنا لسنوات طويلة، شُفيت منه الكثير من الأبدان وتعافت من أسقامها حتى كادت أن تنسى مرضها ووهنها، ونحن اليوم في مُنعطفٍ صعب نبلغه في محاولة لتعود لنا القبضة كما كانت بأصابعها الخمس، أختم قولي هذا بحديث نبوي شريف، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {مَثَلُ المُؤمنِينَ فيّ تَوَادِّهمْ وَتَرَاحُمهُمْ وَتَعَاطُفهم مِثلُ الجَسد إِذاَ اِشْتَكَى مِنه عُضوٌ تَدَاعى لهُ سائرُ الجَسَدِ بالسَهَّرِ وَالحُمَّى} .

كل عام ونحن جسد أكثر تلاحماً وصدقاً وأكثر إنسجاماً وتعاوناً وأكثر مودةً وقوة.. عيدكم مبارك.

 

 

رواية ولاكلمة -اصفر

عِشْ حُـبَك!

 

الحُب هو السحر الغامض الذي لطالما جهلنا سببه لكننا دوماً نغرق في بحور سطوته وفتنته، مسلوبين برقته في سرقة قلوبنا، ومأخوذين بجبروته على إخضاع الكبار والصغار، ذلك الشعور الذي نجتهد لأجله لتذليل الصعاب وتهوينها من أجل راحة المُحب، فهكذا تعيش الأم أولى صراعاتها بين العاطفة وتقويم ابنها، وهذا ما يُعانيه الأب من نزاعات بين العقاب والبذل في سبيل رضا عائلته، و هذا ما يواجه كل صديق مع صديقه في حالة من التوجس والقلق بين مايُسمح به من مبادئه وما لا يستطيع تجاوزه من حدود، وما يكون بين المحب العاشق ومحبوبته فيعيشان معاً بين حلاوة الصُلح ومُر الخصام، بين موج عالٍ متلاطم وبين آخر بارد وساكن، هناك حيثُ تسكن لذة تتعرف عليها عضلات القلب وتتحسسها حتى تُشعر صاحبها بمدى أهميتها لديه، فيتمسك بها ويجذبها له حتى يُجزم بأنه لايقوى الحياة دونها. وهناك عاشق آخر خفي، يختفي عن الأنظار في الحُلكة القاتمة ويلوذ إلى رُكنٍ قصي حيث لا يلمحه فيه إلا هو.. محبوبه! يرفع كفوفه إليه في حب ورجاء، في شوق وإنتشاء بين خوفٍ ورغبة، بين تمني ويقين، بين نيران الإنتظار وجنّات الوصول، يقف العبد أمام باب رحمة معبوده بدموعه السواكب آملاً بأن يجد صوته الضعيف طريقه إلى القوي الجبار، آملاً أن تجد خطاياه وذنوبه الكبار وابلاً من الرحمات والمغفرات الواسعات. وهكذا كان حال المحبين و العاشقين في لهفةِ الرجاء وشغف اللقاء، بين لهيبٍ يحرقُ صاحبه وبين جليدٍ تخترق برودته العظام والأحشاء، فالحب هو المدينة الفاضلة التي يَحَلُمُ بها بنو البشر، حُلمٌ لا يُمل، وإن كان.. يعيش حالمها حالةً من الرضا والشك، فلا هو طال جنته المُنتظرة ولا هو انكوى بينران جهنم التي يخشى لظاها!

كل دروب الحب تبدو لنا ساحرة وجميلة، قد تَحُفها أشواكٌ أو عثرات لكنها تظل بساتين نُكرر زياراتنا إليها بين حين وحين، إلا حبٌ واحد هو أضمن ما يكون ليصل بك إلى نعيمٍ لم تتطرق إليه حواسك الخمس ليكون ملاذاً أخيراً لأرواحنا وقلوبنا وعقولنا. فلنعش الحُب كله بشتى أنواعه إلا ذاك الحُب فعشه وكن معه وله ومنه!

مبارك عليكم شهر الخير ولا تنسوني من دعائكم الطاهر.